كتاب الرأي

حروب الجيل الجديد وعودة الإمبراطوريات والاستعمار

مارشيكا نيوز/ ذ. شهاب المكاحلة

 

يبدو أن ميدان الحرب العالمية الثالثة ليس سوى ساحة الشرق الأوسط وأفريقيا سواء أكان ذلك حرباً بالمواجهة المباشرة أم بالحروب التقنية أو ما يسمى بحروب الجيل الجديد من ذكاء اصطناعي تسعى العديد من الدول لامتلاك ناصيته للتحكم بغيرها. وهذا نذير بعودة صراع الإمبراطوريات أو الممالك نظراً لاحتكارهذا العلم.

في العام 2017، تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن الذكاء الاصطناعي وقال حينها أمام عدد من الطلبة والصحفيين: “من سيصبح رائداً وقائداً في هذا المجال سيكون سيد العالم” ، وبعد ذلك بثلاثة أيام، قال إيلون موسك، مؤسس شركة Space X و الرئيس التنفيذي لشركة Tesla: “إن الاقتتال بين الأمم والتنافس بينها للتفوق في الذكاء الاصطناعي قد يتسبب في حرب عالمية ثالثة. ”

ربما تهيمن الإمبراطوريات الرقمية الأميركية والصينية على الجغرافيا السياسية الدولية في السنوات القادمة. إذا أرادت أوروبا إعادة بناء سيادتها الرقمية، فسيتعين عليها مضاعفة جهودها واستثماراتها. خلاف ذلك، سيكون عليه أن تكتفي بتحالفات استراتيجية مرادفة للإنتشار السيبراني. وفي هذه الأثناء، تم الإعلان عن إفريقيا والشرق الأوسط على أنهما ساحة معركة رئيسة لميدان الاختبارات الالكترونية الذكية.

في بعض الدول يُطورون أجهزة لا يتعدى حجمها بعوضة صغيرة تستطيع الطيران والوصول إلى أهداف حساسة داخل مراكز العدو والتصوير وبثِ الصور ومن ثم العودة بسلام إلى مقراتها. وهي بذلك تقوم عمل جيش كامل دون أن يكتشفها العدو. فقد طورت بعض الدول بعوضاً الكترونياً يستطيع تنفيذ عمليات اغتيال لشخصيات ما وبوقت قياسي ودون خسائر تُذكر وطريقة عمل تلك “البعوضة الذكية” أنها تطير إلى جسم الهدف ومن ثم تسحب منه عينة من الدم دون أثر يُذكر. ويتم تسليم تلك العينة إلى المختبر الذي أرسل “البعوضة العسكرية” وتحليل دم ذلك الشخص ووضع سم وفق نوعية الدم وقوة جسد ذلك الشخص دون أن يترك أي أثر بعد ذلك ودون أن تخطئ البعوضة في إصابة الهدف. نعم، هذا هو النوع القادم من الحروب بين الدول الكبرى.

إن التقدم السريع جدا للذكاء الاصطناعي يجعله أداة قوية في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وستسهم الثورة الرقمية في تحديد النظام الدولي للعقود القادمة حيث تُعزز التكنولوجيا والسلطة بعضهما البعض. وسيترتب على ذلك تحول في الأبجديات الجيوسياسية من خلال علاقات جديدة بين الأقاليم والأبعاد المكانية والزمانية.

في الماضي، تميزت الإمبراطوريات عبر التاريخ بثلاث سمات رئيسة: أولاً، السلطة على مساحة كبيرة؛ ثانياً، عدم المساواة النسبية بين السلطة المركزية و”المناطق” الخاضعة للإدارة، والتي غالباً ما ترتبط بالرغبة في التوسع؛ ثالثاً، تنفيذ مشروع سياسي من خلال أشكال مختلفة من التأثير (الاقتصادي والمؤسسي والإيديولوجي).

وخلافاً للفكرة الشائعة بأن الثورة الرقمية تؤدي بالضرورة إلى اللامركزية الاقتصادية، فمن الممكن في الواقع أن تقوم ثورة الذكاء الاصطناعي بتعزيز حركة عالمية لمركزية السلطة في أيدي حفنة من اللاعبين الدوليين من شركات أو دول. وتستفيد هذه الإمبراطوريات الرقمية من اقتصادات الحجم، وتسارع تركيزها في المجالات الاقتصادية والعسكرية والسياسية ما يجعل الذكاء الاصطناعي يتحكم في جميع الشؤون الدولية وهنا نعود إلى منطق الكتل او نظام التحالفات أو الـ “Blocs”.

وسيتجهة الذكاء الاصطناعي إلى ثلاثة اتجاهات تكنولوجية رئيسة: البيانات الضخمة (القدرة على معالجة كميات هائلة من البيانات) ، والتعلم الآلي (القدرة على التعليم الآلي باستخدام أجهزة الكمبيوتر والروبوتات” ، والتخزين الطاقي للمعلومات عبر السحب الالكترونية.

وهنا نتحدث عن الاستعمار السايبراني الذي شأنه في ذلك شأن إمبراطوريات الماضي، حيث تركز المنصات التكنولوجية على الموارد العقلية والبشرية وتسعى إلى توسيع نطاق نفوذها. إذ سنشهد حكومات ظل وحتى حكومات الدولة العميقة التي تتحكم في كل كبيرة وصغيرة في الدول الأخرى.

فقد تحدث سيدريك فيلاني، عالم رياضيات فرنسي، عن استثمارات المنصات الإلكترونية الكبيرة في إفريقيا – مثل غوغل أو فيسبوك أو علي بابا: “هذه المنصات الكبيرة تستحوذ على كل القيمة المضافة: تلك الخاصة بالأدمغة التي تجندها، ناهيك بتطبيقاتها الذكية والخدمات من خلال البيانات. فمن الناحية الفنية هذا النوع من النهج يسميه البعض بالنهج الاستعماري ولكن العلم الحديث يطلق عليه اسم الاستعمار الإلكتروني”.

أصبحت الجهات الفاعلة الوطنية في عدد من الدول على وعي متزايد بالتحديات الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية لتنمية الذكاء الاصطناعي. كما أنها تتوقع تأثير تلك التنمية على الانتخابات وفي الحياة السياسية للدول. فلن يعود بإمكان الحكومات التحكم في عقلية الناخبين والتأثير عليهم فيما بعد وهذا يعني أن عصر سياسة الأمر الواقع قد ولَى بلا رجعة وأنَ من لا يملك ناصية العلم ستكون نهايته وشيكة لأن التقدم قطار سريع لن يتوقف عند أحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق