كتاب الرأي

الوضع تحت الحراسة النظرية: ضمانات و حقوق ؟

 

مارشيكا نيوز/  كتب: اسباعي سليمان *

مقدمة:

أثير النقاش اخيرا بتزامن مع الاحداث التي شهدها اقليم الحسيمة و البلدات المجاورة له، حول واقعة الابقاء على الافراد لدى مراكز الشرطة او الدرك التي تصاحب عملية التوقيف و الاعتقال ، و هذا الابقاء او الاحتفاظ بالأشخاص يعرف قانونا حسب المسطرة الجنائية المغربية بـ ” الوضع تحت الحراسة النظرية “

هذا الاجراء القانوني في مجمله كان مثار نقاش لدى مختلف الشرائح و شكل غموضا في حد ذاته على اعتبار اختلاف مدده و اجاله، و الحقوق الممنوحة للشخص الموضوع تحت الحراسة، و الجهة التي تدبر الاجراء في عمومه ، و هذا ما سنحاول الاجابة عنه بشكل من التفصيل استنادا الى مواد المسطرة الجنائية ؛

مفهومالحراسة النظرية:

لم يعرف المشرع المغربي الوضع تحت الحراسة، و المقصود به أنه إجراء يحق بمقتضاه لضابط الشرطة القضائية أن يحتفظ بشخص أو عدة أشخاص، ويضعه في مكان معين ( مركز الشرطة القضائية ) و ذلك لضرورة البحث.

إن الوضع تحت الحراسة يشكل بهذا المعنى قبضا على الشخص لمنعه من الفرار و أخد تصريحاته و التثبت من صلته بالجريمة، و نظرا لكون هذا الإجراء يعد قيدا على حرية الأفراد فقد نظمه المشرع وبين شروطه ومدته،

شروط الوضع تحت الحراسة النظرية:

اذا كان المشرع قد منح ضابط الشرطة القضائية هامشا واسعا في اتخاذ تدابير الحراسة النظرية ، فقد قيد ممارسته في ذلك بتحديد حالات اللجوء الى هذا الاجراء نظرا لخطورته واتصالها بالحرية الشخصية للأفراد . ولا يمكن اللجوء الى الوضع تحت الحراسة النظرية في المخالفات والجنح المعاقب عليها بعقوبة الغرامة وحدها ، بل فقط في قضايا التلبس بالجنح والجنايات المعاقب عليها بالحبس . فالوضع تحت تدابير الحراسة النظرية رهين بتوفر شرطين متلازمين :

– أن يتعلق الأمر بجناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس .

– ضرورة البحث

وهو ما اشار اليه المشرع في المادة 66 من (ق م ج) التي جاء فيها : ” إذا تطلبت ضرورة البحث أن يحتفظ ضابط الشرطة القضائية بشخص أو عدة أشخاص ممن أشير إليهم في المادة 65 أعلاه ليكونوا رهن إشارته، فله أن يضعهم تحت الحراسة النظرية لمدة لا تتجاوز 48 ساعة تحسب ابتداء من ساعة توقيفهم، وتشعر النيابة العامة بذلك.”

مدد الوضع تحت الحراسة النظرية :

ان السلطة التقديرية لضابط الشرطة القضائية باتخاذ تدابير الوضع تحت الحراسة النظرية لا يمكنها تجاوز المدد المقررة من طرف القانون وهذه المدد تختلف تبعا لنوع الجرائم المرتكبة ويمكن تصنيفها الى ثلاثة أصناف حددتها المادة 66 من (ق م ج): إذا تعلق الأمر بجناية أو جنحة يعاقب عليها بالحبس، وكانت ضرورة البحث تقتضي من ضابط الشرطة القضائية إبقاء شخص رهن إشارته، فله أن يضعه تحت الحراسة النظرية لمدة لا تتجاوز:

– ثمان وأربعين ساعة و تشعر النيابة العامة، يمكن لوكيل الملك أو الوكيل العام للملك أن يمنح إذنا مكتوبا بتمديد الحراسة النظرية مرة واحدة لمدة أربع وعشرين ساعة،

– إذا تعلق الأمر بالمس بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي، فإن مدة الوضع تحت الحراسة النظرية تحدد في ست وتسعين ساعة قابلة للتجديد مرة واحدة بإذن كتابي من النيابة العامة،

– إذا تعلق الأمر بجريمة إرهابية فإن مدة الحراسة النظرية تكون ستاً وتسعين ساعة قابلة للتمديد مرتين لمدة ست وتسعين ساعة في كل مرة، بناء على إذن كتابي من النيابة العامة المختصة

تمديد الحراسة النظرية:

تكون مدة الحراسة النظرية الأصلية قابلة للتمديد كما رأينا بمقتضى إذن كتابي من النيابة العامة، كلما اقتضت ذلك ضرورة البحث، و هذا يعني أن النيابة العامة التي تملك السلطة التقديرية المطلقة لتقييم ضرورة و متطلبات البحث و حاجته إلى تمديد مدة الحراسة النظرية، لأنها الجهة المسؤولية أساسا عن تسيير البحث، و لا يملك الشخص تحت الحراسة النظرية أي وسيلة للتظلم من قرار النيابة العامة بتمديد مدة الحراسة النظرية في حقه، كما لا يملك ضابط الشرطة القضائية أي وسيلة للتظلم من رفض النيابة العامة تمديد الحراسة النظرية.

ومن جهة أخرى فإنه مادام الأمر يتعلق بحالة تلبس، فإن القانون لم يجعل تقديم الشخص المعني بالأمر أمام النيابة العامة واجبا من أجل تمديد مدة الحراسة النظرية بالنسبة له. و ليس ضروريا ان تمدد النيابة العامة الحراسة النظرية طيلة المدة المسموح بها قانون و انما لفترة كافية لإنجاز و اتمام الابحاث على ان لا تتجاوز في اقصاها المدة المسموح بها .

الاتصال بالمحامي:

يمكن للشخص الموضوع تحت الحراسة قبل انتهاء نصف المدة الاصلية للحراسة أن يطلب من ضابط الشرطة القضائية الاتصال بالمحامي، كما يحق للمحامي المنتصب الإتصال بالشخص الموضوع تحت الحراسة. و يتم الاتصال بترخيص من النيابة العامة ، لمدة لا تتجاوز ثلاثون دقيقة، تحت مراقبة ضابط الشرطة القضائية في ظروف تكفل سرية المقابلة، غير أنه إذا تعذر الحصول على ترخيص النيابة العامة، خاصة بسبب بعد المسافة فإن ضابط الشرطة القضائية يأذن بصفة استثنائية للمحامي بالاتصال بالشخص الموضوع تحت الحراسة، على أن يرفع فورا تقريرا في هذا الشأن إلى النيابة العامة.

و يمكن لممثل النيابة العامة تأخير اتصال المحامي بموكله لمدة لا تتجاوز 48 ساعة، بناء على طلب من ضابط الشرطة القضائية إذا تعلق الأمر بجريمة إرهابية أو بجرائم المس بأمن الدولة، أو العصابات الإجرامية أو القتل أو التسميم أو الاختطاف و أخذ الرهائن، أو تزييف أو تزوير النقود أو سندات القرض العام أو المخدرات أو الأسلحة أو الذخيرة أو المتفجرات أو حماية الصحة.

و يجوز للمحامي المرخص له بالاتصال بالشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية، أن يقدم أثناء مدة تمديد هذه الحراسة وثائق أو ملاحظات كتابية للشرطة القضائية أو للنيابة العامة، قصد إضافتها للمحضر مقابل إشهاد، و يعود الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالرباط صلاحية الإذن للمحامي بالاتصال بموكله، كلما تعلق الأمر بجرائم الإرهاب، على اعتبار أن محكمة الاستئناف بالرباط هي المختصة بالمتابعة و التحقيق و الحكم في الجرائم الإرهابية.

إشعار عائلة الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية :

يتعين على ضابط الشرطة القضائية أن يشعر عائلة الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية ،فور و ضعه تحت الحراسة، و يتم الإشعار بأي   وسيلة من الوسائل سواء بالهاتف أو مشافهة أو كتابة أو بواسطة عون للقوة العمومية، و ينبغي أن يشير المحضر إلى ذلك. ولم يحدد النص الجزاء المترتب عن عدم احترام ضابط الشرطة القضائية لهذا الإجراء، غير أنه أجمع القضاء على أنه إجراء إداري فقط ،وبالتالي لا يترتب عن عدم إنجازه من طرف الضابط، بطلان إجراءات المسطرة المصاحبة للوضع تحت الحراسة النظرية أو المترتبة عنه، ولكن يمكن أن تترتب عنه المسؤولية التأديبية للضابط ،

مميزات الحراسة النظرية في البحث التمهيدي:

من خلال استقرائنا لشروط الوضع تحت الحراسة النظرية في البحث التمهيدي في الأحوال العادية نجد أنها لا تختلف على أحكام الوضع تحت الحراسة النظرية في البحث في حالة التلبس إلا في بعض الجزئيات، إلا أنها جزئيات هامة و مؤثرة.

1/ إذن النيابة العامة:

بالنسبة للبحث التمهيدي، لا يمكن وضع الشخص تحت الحراسة النظرية إلا بعد الحصول على موافقة النيابة العامة مسبقا على ذلك، بينما يمكن لضابط الشرطة القضائية إذا كان يجري بحثا في حالة تلبس أن يضع الشخص تحت الحراسة النظرية دون استئذان النيابة العامة مسبقا، بشرط إشعارها فيما بعد، لكن و لما للنيابة العامة من سلطة تسيير، فيمكن لها أن تأمر بوضع حد للوضع تحت الحاسة النظرية في حالة تلبس، و أما إذا تعلق الأمر ببحث تمهيدي عادي فإن إذن النيابة العامة مسبقا بالوضع تحت الحراسة النظرية يعتبر ضروريا، فإذا تم وضع الشخص تحت الحراسة النظرية دون الإذن المسبق للنيابة العامة و كان الأمر يتعلق ببحث تمهيدي عادي فإن ذلك الوضع يعتبر خرقا للقانون،

و الإذن يمكن أن يكون شفويا أو مكتوبا، فادا كان شفويا ،فإن المحضر ينبغي أن يبين ذلك حتى تتمكن المحكمة من بسط مراقبتها على سلامة الإجراءات.

2/ تمديد الحراسة النظرية  :

تتجلى الجزئية الثانية التي تميز موضوع الوضع تحت الحراسة النظرية بالنسبة للبحث التمهيدي العادي عنه في حالة التلبس في اشتراط اجراءات خاصة بمناسبة تمديد فترة الحراسة النظرية،

إذا تعلق الأمر بطلب تمديد الحراسة النظرية في حالة البحث التمهيدي، تشترط المادة 80 من ق.م.ج أن يتم تقديم الشخص الذي كان موضوعا تحت الحراسة النظرية إلى النيابة العامة قبل انتهاء المدة الأصلية للحراسة، و على قاضي النيابة العامة أن يستمع إليه قبل أن يقرر منح إذن مكتوب بتمديد الحراسة النظرية، و إذا لم يتيسر تقديم الشخص إلى النيابة العامة ساعة طلب تمديد مدة الحراسة النظرية و ارتأت النيابة العامة الموافقة على تمديدها فإن مقررها ينبغي أن يتضمن تعليلا لأسباب عدم تقديم الشخص.

خاتمة:

من خلال استقراء قواعد المسطرة الجنائية يتضح لنا ان اجراء الحراسة النظرية يعتبر  تدبيرا استثنائيا ونصت على ذلك بشكل واضح المادة 66،  إلا أنها جعلت هذا التدبير ممكن اللجوء إليه بمجرد تحقق سبب من الأسباب المشار إليها في المادة المذكورة وهوماقد يفرغ هذا التدبيرمن روحه كون ذلك سيعطي سلطة واسعة لضباط الشرطة القضائية في الوضع تحت الحراسة النظرية (خصوصا مع السلطة التقديرية الواسعة الممنوحة لهم) مماقد يتنافى مع كون الحراسة النظرية تدبيرا استثنائيا مع العلم أن المادة 66 توسعت في الأسباب الموجبة للوضع تحت الحراسة النظرية وبالتالي أصبح بإمكان الضابطة القضائية وضع المشتبه فيه تحت الحراسة النظرية بمجرد توافر أحد هذه الأسباب ولو كان غير كاف للوضع تحت الحراسة النظرية كحماية المشتبه فيه ، أو الحيلولة دون ممارسة أي ضغط على الشهود أو الضحايا أو سرهم أو اقاربهم ..مما يجعل هذا الاجراء محور اشكالية قد تتعارض في اطارها العام مع مقتضيات دستور 2011 الضامن للحقوق و الحريات .

* صحفي و باحث في الدراسات القانونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق